• آخر تحديث: الثلاثاء 13 اكتوبر 2026 - الساعة:16:02:37
آخر الأخبار
أخبار عدن
13 أكتوبر 2007.. يومٌ كتبت فيه ردفان بالدم أول فصول الحكاية الجنوبية
تاريخ النشر: الثلاثاء 13 اكتوبر 2026 - الساعة 16:02:37 - حياة عدن / كتب / غازيالعلوي :

تسعة عشر عامًا من الوجع والصمود

**كتب/ غازي العلوي**

لم يكن الثالث عشر من أكتوبر عام 2007 يومًا عابرًا في ذاكرة الجنوب، ولم تكن الدماء التي سالت في مدينة الحبيلين، كبرى مدن رباعيات ردفان بمحافظة لحج، مجرد حادثة أليمة طواها الزمن. كان ذلك اليوم لحظة فارقة، اختلط فيها وجع الفقد بإرادة التحدي، وتحولت فيها أجساد الشهداء إلى شرارة أشعلت واحدة من أبرز محطات النضال الشعبي الجنوبي في العصر الحديث.

في ذلك اليوم، وعشية حلول الذكرى الرابعة والأربعين لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيدة، خرج أبناء الجنوب لإحياء ذكرى ثورتهم الوطنية، حاملين أحلامهم وتطلعاتهم، ومتمسكين بحقهم في التعبير السلمي عن قضيتهم. لكن المشهد الذي كان يفترض أن يكون احتفالًا بذكرى الثورة التي فجّرها الآباء في وجه الاستعمار البريطاني، انتهى بمجزرة دامية، بعدما وجّهت قوات الجيش والأمن المركزي أسلحتها نحو صدور المشاركين العزّل، لتسقط كوكبة من الشهداء ويُصاب أكثر من ستة عشر آخرين.

أربعة شهداء.. ودماء فتحت أبواب مرحلة جديدة

على أرض ساحة المنصة في الحبيلين، ارتقى الشهداء عبدالناصر حمادة، وشفيق هيثم حسن، وفهمي محمد حسين، ومحمد نصر العمري، تاركين خلفهم جرحًا غائرًا في وجدان الجنوب، وذكرى لم تستطع السنوات محوها من ذاكرة الأجيال.

لم تكن تلك الدماء نهاية المشهد، بل كانت بداية فصل جديد من الحكاية. فمن قلب الألم، انطلقت موجة من الغضب الشعبي، وتعززت قناعة قطاعات واسعة من أبناء الجنوب بأن ما جرى يتجاوز حدود حادثة قمع دامية، ليفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعبير عن تطلعاتهم السياسية والوطنية.

وكانت ردفان، بما تحمله من رمزية تاريخية مرتبطة بثورة أكتوبر، على موعد مع لحظة أعادت اسمها إلى واجهة الأحداث، لتؤكد أن الأرض التي شهدت انطلاق شرارة الثورة ضد الاستعمار لا تزال حاضرة في ذاكرة الجنوب، وأن إرث النضال فيها لم ينقطع بانقضاء الأجيال.

وفي صباح اليوم التالي للمجزرة ، تدفقت الحشود الجنوبية نحو ردفان، في مشهد جماهيري واسع جسّد حجم التفاعل مع دماء الشهداء، ومثّل إحدى أبرز محطات الحشد الشعبي التي رسخت حضور القضية الجنوبية في المشهد العام، وأوصلت رسالتها إلى الداخل والخارج.

تسعة عشر عامًا من الوجع والصمود

تسعة عشر عامًا مرّت على ذلك اليوم الدامي، وما تزال تفاصيله حاضرة في الذاكرة، كأن الدماء التي سالت على أرض ساحة المنصة لم تجفّ بعد، وكأن أصوات الجرحى ووجع الأمهات لا يزالان يترددان في أرجاء ردفان. تسعة عشر عامًا حملت في طياتها تحولات جسيمة ومنعطفات متلاحقة، وسقط خلالها آلاف الشهداء والجرحى، وعانى كثيرون من الاعتقال والملاحقة، فيما واصلت القضية الجنوبية حضورها في المشهد السياسي والشعبي، وظلت تطلعات أبنائها تتجدد رغم قسوة الطريق وتعدد التحديات.

لم تكن السنوات التسع عشرة طريقًا مفروشًا بالانتصارات، بل مسيرة شاقة اختبرت صلابة المواقف ووفاء الرجال، وكشفت في محطاتها المختلفة حجم التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب، وما خلّفته من مسؤولية تاريخية وأخلاقية على عاتق الأحياء. وبين آمال تحققت وتطلعات لا تزال تنتظر طريقها إلى الواقع، بقيت ذكرى شهداء الحبيلين شاهدًا على مرحلة فارقة، وعنوانًا لوجع لم يغب عن الوجدان الجنوبي.

واليوم، ونحن نستعيد تلك اللحظة، فإننا لا نستحضر الماضي لمجرد البكاء على أطلاله، بل لنقرأ دروسه، ونستوعب ما حملته مسيرة السنوات من تجارب، ونؤكد أن الوفاء للشهداء لا يكتمل إلا بصون تضحياتهم، والحفاظ على وحدة الصف، وتغليب المصلحة الوطنية، ومواصلة العمل من أجل مستقبل يحقق تطلعات الشعب ويحفظ كرامة أبنائه.

أرواح الشهداء.. ذاكرة لا تقبل الخذلان

في مثل هذا اليوم، تبدو أرواح الشهداء وكأنها تعود لتقف بيننا، لا لتستعيد مشهد الدماء فحسب، بل لتطرح أسئلة الوفاء والمسؤولية: ماذا فعلنا من أجل الأحلام التي رحلوا وهم يحملونها؟ وهل ظللنا أوفياء لتلك اللحظة التي اختاروا فيها الوقوف بصدورهم العارية أمام فوهات البنادق؟

إن الوفاء للشهداء لا يكون برفع صورهم واستذكار أسمائهم في المناسبات وحدها، بل بصون تضحياتهم من النسيان، والتمسك بالقيم التي خرجوا من أجلها، والعمل على جمع الصف، وتجاوز الخلافات، وعدم السماح للتباينات بأن تبدد آمال الناس أو تحول تضحياتهم إلى مجرد حكايات تُروى في ذكرى كل عام.

وإذا كانت دماء الشهداء قد أطلقت شرارة مرحلة جديدة في تاريخ الجنوب، فإن مسؤولية الأحياء تتمثل في مواصلة العمل الوطني المسؤول، وحماية النسيج الاجتماعي، وتغليب المصلحة العامة، والتمسك بالوسائل التي تصون كرامة الإنسان وحقوقه، وتفتح أمام الأجيال القادمة أفقًا أكثر أمنًا واستقرارًا.


 للشهداء الخلود.. وللجرحى الوفاء

في الذكرى التاسعة عشرة لشهداء الثالث عشر من أكتوبر، لا نملك إلا أن نترحم على الأرواح التي ارتقت في ساحة المنصة بالحبيلين، وفي مقدمتها عبدالناصر حمادة، وشفيق هيثم حسن، وفهمي محمد حسين، ومحمد نصر العمري، وأن نستحضر أسماءهم بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية الجنوبية التي لا ينبغي أن تطويها الأيام.

كما نوجّه التحية إلى الجرحى الذين أصيبوا في تلك الأحداث، وإلى كل جرحى الجنوب الذين ما زالت آثار المعاناة بادية على أجساد كثير منهم، تقديرًا لما تحملوه من آلام، ووفاءً لحقهم في الرعاية والاهتمام والعيش بكرامة.

ستظل ردفان، بتاريخها النضالي ورمزيتها الوطنية، حاضرة في الذاكرة الجنوبية، وسيظل الثالث عشر من أكتوبر شاهدًا على يوم امتزجت فيه المأساة بإرادة التغيير، وارتبطت فيه أسماء الشهداء بمرحلة لا تزال تفاصيلها حاضرة في وجدان من عاشوها ومن عرفوا حكايتها.

التعليقات
شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
الصحافة الآن